الشيء الأكثر أهمية في العالم


Warning: Illegal string offset 'single_featured_image' in /home/oocupied/public_html/site/wp-content/themes/confidence/content-single.php on line 71

Foley Square, October 5, 2011. Photo: Jen Ross

إذا كان هناك شيئاً واحداً أعرفه بالتأكيد، هو أن ال-1% مغرمون بالأزمات. فعندما يدبّ الذعر واليأس الأعوامّ لا يعرفون ماذا يفعلون، يكون هذا وقتاً مثالياً لل-1% أن يقوم بتمرير سياساتهم المؤيدة للشركات الكبرى: خصخصة التعليم والضمان الاجتماعي، وتخفيض الخدمات العامة، والتخلص من آخر القيود التي تتحكم في سلطة الشركات. وفي خضمّ الأزمات الاقتصادية، نشهد حدوث هذا في كل أرجاء العالم.

هناك شيئاً واحداً فقط يمكنه أن يعرقل هذا التكتيك، ولحسن الحظ انه شيء كبير جداً: باقينا الذين يشكّلون ال-99%. هؤلاء يجتاحون الشوارع من مدينة ماديسون في الولايات المتحدة إلى مدريد في إسبانيا ليقولوا: ”لا. لن ندفع ثمن أزماتكم. “

بدأ ذلك الشعار في إيطاليا عام 2008، وارتدّ إلى اليونان وفرنسا وأيرلندا وأخيراً شقّ طريقه حتى امتد إلى المساحة ذات الميل المربع حيث بدأت الأزمة.

”لماذا يحتجون؟“ يتساءل الخبراء المرتبكون على شاشات التلفاز. وفي الوقت نفسه يتساءل بقية العالم: ”ما الذي أخّركم؟“ أو ”كنّا نتساءل متى ستحضرون. “أو الأهم من ذلك كله: ”مرحباً بكم. “

يشبّه الكثير من الناس حركة ”احتلال وول ستريت“ بما يسمى بالاحتجاجات المناهضة للعولمة التي لفتت انتباه العالم في مدينة سيأتل عام 1999 والتي كانت آخر ظهور حركة عالمية لا مركزية يقودها الشباب اتخذت من تسلط الشركات هدفاً مباشراً لها. وإنني أفخر شخصياً أنني كنت جزءاً فيما سمّيناه ”أم الحركات. “

ولكن هناك اختلافات مهمة أيضاً. على سبيل المثال، اخترنا مؤتمرات القمم أهدافاً لنا: مثل مؤتمرات منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي ومجموعة الثماني. إن المؤتمرات بطبيعتها مؤقتة، لأنها تستمر أسبوعاً فقط. وذلك يحصرنا أيضاً في وقت محدد، حيث نظهر ونحتل على عناوين الصحف العالمية ثم نختفي. وفي خضمّ السُّعار الوطني والعسكري الذي تلا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كان من السهل كنسنا كليّاً، على الأقل في أميركا الشمالية.

ومن جهة أخرى، اختارت حركة ”احتلال وول ستريت“ هدفاً ثابتاً، كما أنكم لم تضعوا تاريخاً نهائياً لوجودكم هنا. هذا قرار حكيم. إنكم ببقائكم فقط تتخذون لكم جذوراً. وهذا أمر بالغ الأهمية، إذ كان أحد سمات عصر المعلومات أن تنمو حركات متوافرة كأزهار جميلة فقط كي تموت بسرعة. ويحدث هذا لافتقارها إلى جذور الخطط البعيدة المدى حول كيفية استدامتها، ولذلك يسهل جرفها عندما تقبل العاصفة.

إن تنظيم الحركة بالأفقية والديمقراطية العميقة شيء رائع جداً، لأن هذه مبادئ تنسجم مع العمل الجاد لتشييد البنى والمؤسسات التي تقدر على مقاومة العواصف المقبلة. وأنا لدي ثقة كبيرة أنها فعلاً ستتغلب عليها.

ثمّة شيء آخر تؤديه هذه الحركة بشكل صحيح: أنكم ألزمتم أنفسكم بالسلمية. لقد رفضتم أن تقدموا لوسائل الإعلام ما تتوق إليه بشدة من صورٍ لنوافذ مكسورة والقتال في الشوارع. ويعني هذا الانضباط الكبير، مرةً بعد مرة، أن الحكاية تكمن في وحشية الشرطة المخزية وغير المبرّرة، التي شهدنا أكثر منها ليلة الأربعاء، بينما يتزايد ويتزايد دعم الشعب للحركة، ما يثبت مرة أخرى حكمة هذا الموقف.

غير أن أكبر فرق يأتي في تغير الوقت: ففي عام 1999، كنّا نقاوم الرأسمالية وهي في أوج ازدهارها الاقتصادي المحموم، حيث كانت نسبة البطالة متدنية، وكانت محافظ الأوراق المالية منتفخة، وكانت وسائل الإعلام ثملة بكسب المال السهل. آنذاك دار كل الكلام حول إنشاء المشاريع الجديدة، وليست إغلاق المصانع.

وقد أشرنا أن التحرُّر من الأنظمة الحكومية الذي كمن خلف كل ذلك السّعار، كان له ثمنه. إذ ألحق الضرر بمعايير العمل والمعايير البيئية. وأصبحت الشركات أكثر قوة من الحكومات مما ألحق الضرر بديمقراطياتنا. ولكن صدقاً، بينما كرّت الأزمنة الجيدة، استعصت مقاومة نظام اقتصادي قائم على الجشع، على الأقل في الدول الغنية.

 وبعد عشر سنوات، بدا الأمر كما لو لم يعد هناك دول غنية، وإنما مجموعة كبيرة من الأغنياء الذين اغتنوا من نهب المال العام واستنزاف الموارد الطبيعية حول العالم.

يمكن للجميع أن يروا اليوم أن النظام جائر إلى أبعد حدّ ويخرج عن نطاق السيطرة. لقد دمّر الجشع غير المقيد الاقتصاد العالمي، كما يدمّر العالم الطبيعي كذلك. إننا نستنزف محيطاتنا بالصيد الجائر، ونلوث مياهنا بالتكسير الهيدرولي والتنقيب في المياه العميقة، حتى نحصل على أقذر أشكال الطاقة على كوكب الأرض مثل الرمال القطرانية في محافظة ألبرتا الكندية.

لا يمكن للغلاف الجوي أن يمتص كمية الكربون التي نضخه بها، ما يسبب احتباساً حرارياً خطيراً. وقد أصبح من العادي الكوارث المتسلسلة على المستوى الاقتصادي والبيئي.

هذه هي الحقائق على أرض الواقع، صارخة وشديدة الوضوح بحيث قد أصبح الاتصال مع العامة أسهم بكثير ممّا كان عليه الوضع في عام 1999، وكذلك بناء الحركة على وجه السرعة.

نعلم جميعاً، أو نشعر على الأقل، أن العالم مقلوبٌ رأساً على عقب: نتصرف كما لو أنه ما من نهاية لما هو محدود في الواقع – كالوقود الحفري وقدرة الغلاف الجوي على امتصاص انبعاثاته. ونتصرف كما لو أن هناك حدوداً ثابتة لما هو وافر في الواقع – كالموارد الاقتصادية المفيدة في بناء المجتمع الذي نحتاجه.

إن مهمة عصرنا أن نغيِّر هذا الوضع: أن نتحدى هذه الندرة الزائفة للموارد، وأن نصرّ على أنه بمقدورنا بناء مجتمع لائق للجميع – بينما نحترم في الوقت ذاته الحدود الحقيقية لما يمكن أن تُطيقه الأرض.

إن ما يعنيه تغيّر المناخ هو أنه علينا أن نقوم بذلك في وقت محدّد. ولا يمكن هذه المرة للأحداث أن تشتّت حركتنا أو تقسّمها أو تحرقها أو تجرفها. هذه المرة لا بد أن ننجح. ولست أتحدث عن تنظيم المصارف أو رفع نسبة الضرائب على الأغنياء، رغم أهمية ذلك.

إنني أتحدث عن تغيير القيم الأساسية التي تحكم مجتمعنا. من الصعب تكييف ذلك في مطلب يمكن لوسائل الإعلام أن تهضمه بسهولة، كما يصعب معرفة كيفية عمل ذلك. ولكن كون ذلك صعباً لا يجعله أقل إلحاحاً.

هذا ما أراه يحدث في هذا الميدان في طريقة إطعامكم وتدفئتكم بعضكم بعضاً، وفي طريقة تبادلكم المعلومات بحرية وتوفير الرعاية الصحية وفصول التأمل والتدريب من أجل التمكين. تقول اللافتة التي تعجبني أكثر من أية لافتة أخرى:”أهتم بأمرك. “ ففي ثقافة تدرّب أبناءها على تجاهل بعضهم بعضاً وعلى القول: ”دعهم يموتون،“ يمثل هذا تعبيراً راديكالياً إلى أبعد حدّ.

لقد اخترنا محاربة القوى الاقتصادية والسياسية الأكثر تسلّطاً على وجه الأرض. ذلك مرعب. وسيزداد هذا الموقف ذعراً كلما قويت هذه الحركة أكثر وأكثر. انتبهوا دائماً أنه سيكون هناك إغراء بالتحوّل نحو أهداف أصغر- مثلاً، نحو من هو جانبك. لا تستسلموا للإغراء. هذه المرة، دعونا نعامل بعضنا بعضاً وكأننا نخطط للعمل جنباً إلى جنب في سبيل النضال الذي ربما يستغرق سنوات كثيرة، لأن المهمة التي أمامنا لا تتطلب أقل من ذلك.

فلنتعامل مع هذه الحركة الجميلة وكأنها الشيء الأكثر أهميةً في العالم، لأنها كذلك، وهي حقّاً كذلك.


نعومي كلين

من كلمة ألقتها في السادس من أكتوبر/التشرين الأول في ميدان الحرية.     


هذه المادة متوفرة أيضا في: الإنجليزية, الفرنسية, الأسبانية, التركية


Warning: Illegal string offset 'author_box' in /home/oocupied/public_html/site/wp-content/themes/confidence/content-single.php on line 95